سيد محمد طنطاوي
327
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الأوصياء الشهادة في هذه الحادثة وأمثالها على وجهها الصحيح . أي : على حقيقتها من غير تغيير لها خوفا من عذاب الآخرة . فالوجه في قوله * ( عَلى وَجْهِها ) * بمعنى الذات والحقيقة . والجملة الكريمة بيان لحكمة مشروعية التحليف بالتغليظ المتقدم ، وقوله : * ( أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ) * بيان لحكمة رد اليمين على الورثة . وهو معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام فكأنه قيل : ذلك الذي شرعناه لكم أقرب إلى أن يأتي الأوصياء بالشهادة على وجهها الصحيح ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة ، أو يخافوا أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم فيظهر كذبهم على رؤوس الأشهاد ، فيكون ذلك الخوف داعيا لهم إلى النطق بالحق وترك الكذب والخيانة . فأي الخوفين حصل عندهم سيقودهم إلى التزام الحق وترك الخيانة وإيصال الحقوق لذويها كاملة غير منقوصة . فمن لم يمنعه خوف اللَّه من أن يكذب أو يخون لضعف دينه منعه خوف الفضيحة على رؤس الأشهاد . ثم قال - سبحانه * ( ذلِكَ أَدْنى ) * أي أقرب إلى الحق وأبعد عن الباطل لأن معرفة الحق من كل وجوهه وجزئياته ، مرجعها إلى اللَّه العليم بخفايا الأمور وبواطنها وبواعثها . أما الحاكم فإنه يحكم على حسب ما يظهر له من حق ، وحكمه قابل للخطأ والصواب . والضمير في قوله * ( يَأْتُوا ) * ، و * ( يَخافُوا ) * ، و * ( أَيْمانِهِمْ ) * يعود إلى الأوصياء الذين أوصاهم الميت بإيصال ما يريد إيصاله لورثته ، ثم حدث شك من الورثة في أمانتهم . وجاء الضمير مجموعا مع أن السياق لاثنين فقط ، لأن المراد ما يعم هذين المذكورين وما يعم غيرهما من بقية الناس . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( واتَّقُوا اللَّه واسْمَعُوا واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) * . أي : واتقوا اللَّه في كل ما تأتون وتذرون من أموركم واسمعوا ما تؤمرون به سماع إذعان وقبول وطاعة واعلموا أن اللَّه - تعالى - لا يوفق القوم الخارجين عن طاعته إلى طريق الخير والفلاح ، لأنهم آثروا الغي على الرشد واستحبوا العمى على الهدى . فهذا الختام للآية الكريمة اشتمل على أبلغ ألوان التحذير من معصية اللَّه ومن مخالفة أمره . هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتي : 1 - الحث على الوصية وتأكيد أمرها ، وعدم التهاون فيها بسبب السفر أو غيره ، لأن الوصية